عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
34
اللباب في علوم الكتاب
إليه ، وقيل : على الكعبة ؛ لأن الأمر بالصّلاة إنما هو إليها . قوله : « لكبيرة » : لشاقّة ثقيلة من قولك : كبر هذا عليّ ؛ قال تعالى : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [ الشورى : 13 ] . و « إلّا على الخاشعين » استثناء مفرّع ، وجاز ذلك وإن كان الكلام مثبتا ، لأنه في قوة النفي ، أي : لا تسهل ولا تخفّ إلا على هؤلاء . و « على الخاشعين » متعلّق ب « كبيرة » نحو : « كبر عليّ هذا » أي : عظم وشق . فإن قيل : إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين ، فوجب أن يكون ثوابهم أكثر ، وثواب الخاشعين أقلّ ، وهذا باطل . فالجواب : ليس المراد أن الذي يلحقهم من التّعب أكثر مما يلحق الخاشع ، وكيف يكون ذلك ، والخاشع يستعمل عند صلاته جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ، ولا يغفل عن تدبّر ما يأتي من الذّكر ، والتذلّل والخضوع ، وإذا تذكّر الوعيد لم يخل من حسرة وغمّ ، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثّقل عليه بفعل صلاته أعظم ، وإنما المراد بقوله - هاهنا - لثقيلة على من لم يخشع من حيث لا يعتقد في فعلها ثوابا ، ولا في تركها عقابا ، فيصعب عليه فعلها ؛ لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطّبع . و « الخشوع » : الخضوع ، وأصله : اللّين والسّهولة ، ومنه « الخشعة » للرّملة ، وقيل : قطعة من الأرض رخوة ، وفي الحديث : « كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد » أي : كانت الأرض ليّنة . وقال النابغة : [ الطويل ] 457 - رماد ككحل العين لأيا أبيّنه * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع « 1 » أي : عليه أثر الذّل . وفرق بعضهم بين الخضوع والخشوع ، فقال : الخضوع في البدن خاصّة ، والخشوع في البدن والصّوت والبصر ، فهو أعم منه . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 46 ] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 ) « الَّذِينَ » يحتمل موضعه الحركات الثلاث ، فالجر على أنه تابع لما قبله نعتا ، وهو الظّاهر ، والرفع والنّصب على القطع ، وقد تقدم معناه . وأصل الظّن رجحان أحد الطرفين وأما هذه الآية ففيها أوجه : أحدها : وعليه الأكثر - أن الظّن - هاهنا - بمعنى اليقين ؛ ومثله أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
--> ( 1 ) ينظر ديوانه : ( 43 ) ، القرطبي : ( 1 / 374 ) ، الدر المصون : ( 1 / 212 ) .